تفسير سورة الشعراء ورقمها : 26

عدد اياتها

طسٓمٓ ١


[1] ﵡطسٓمٓﵠ سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.


تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢


[2] هذه آيات القرآن الموضِّح لكل شيء الفاصل بين الهدى والضلال.


لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣


[3] لعلك -أيها الرسول- من شدة حرصك على هدايتهم مُهْلِك نفسك؛ لأنهم لم يصدِّقوا بك ولم يعملوا بهديك، فلا تفعل ذلك.


إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤


[4] إن نشأ ننزل على المكذبين من قومك من السماء معجزة مخوِّفة لهم تلجئهم إلى الإيمان، فتصير أعناقهم خاضعة ذليلة، ولكننا لم نشأ ذلك؛ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختياراً.


وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥


[5] وما يجيء هؤلاء المشركين المكذبين مِن ذِكْرٍ من الرحمن مُحْدَث إنزاله، شيئاً بعد شيء، يأمرهم وينهاهم، ويذكرهم بالدين الحق إلا أعرضوا عنه ولم يقبلوه.


فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦


[6] فقد كذَّبوا بالقرآن واستهزؤوا به، فسيأتيهم أخبار الأمر الذي كانوا يستهزئون به ويسخرون منه، وسيحلُّ بهم العذاب جزاء تمردهم على ربهم.


أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧


[7] أكذبوا ولم ينظروا إلى الأرض التي أنبتنا فيها من كل نوع حسن نافع من النبات، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين؟


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨


[8] إن في إخراج النبات من الأرض لَدلالة واضحة على كمال قدرة الله، وما كان أكثر القوم مؤمنين.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩


[9] . وإن ربك لهو العزيز على كل مخلوق، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.


وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠


[10] واذكر -أيها الرسول- لقومك إذ نادى ربك موسى: أن ائت القوم الظالمين،


قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١


[11] قوم فرعون، وقل لهم: ألا يخافون عقاب الله تعالى، ويتركون ما هم عليه من الكفر والضلال؟


قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢


[12] قال موسى: رب إني أخاف أن يكذبوني في الرسالة،


وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣


[13] ويملأ صدري الغمُّ لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالدعوة فأرسِلْ جبريلَ بالوحي إلى أخي هارون؛ ليعاونني ويصدقني فيما أقول، ويُبيِّن لهم ما أخاطبهم به، فهو أفصح مني نطقاً.


وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤


[14] ولهم عليَّ ذنب في قتل رجل منهم، وهو القبطي، فأخاف أن يقتلوني به.


قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥


[15] قال الله لموسى: كَلَّا لن يقتلوك، وقد أجبت طلبك في هارون، فاذهبا بالمعجزات الدالة على صدقكما، إنا معكم بالعلم والحفظ والنصرة مستمعون.


فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦


[16] . فأتِيَا فرعون فقولا له: إنا مرسَلان إليك وإلى قومك من رب العالمين:


أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧


[17] أن اترك بني إسرائيل؛ ليذهبوا معنا.


قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨


[18] قال فرعون لموسى -ممتنّاً عليه-: ألم نُرَبِّك في منازلنا صغيراً، ومكثت في رعايتنا سنين من عُمُرك،


وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩


[19] وارتكبت جنايةً بقتلك رجلاً من قومي حين ضربته ودفعته، وأنت من الجاحدين نعمتي المنكرين ربوبيتي؟


قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠


[20] قال موسى مجيباً لفرعون: فعلتُ ما ذكرتَ قبل أن يوحي الله إليَّ ويبعثني رسولاً،


فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١


[21] فخرجت من بينكم فارّاً إلى «مدين»، لمَّا خفت أن تقتلوني بما فعلتُ من غير عَمْد، فوهب لي ربي تفضلاً منه النبوة والعلم، وجعلني من المرسلين.


وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢


[22] أَوَتلك التربية في بيتك تَعُدُّها نعمة منك عليَّ، وقد جعلت بني إسرائيل عبيداً تُذَبِّح أبناءهم وتستبقي نساءهم للخدمة والامتهان؟


قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣


[23] قال فرعون لموسى: وما رب العالمين الذي تدَّعي أنك رسوله؟


قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤


[24] قال موسى: هو مالك ومدبر السموات والأرض وما بينهما، إن كنتم موقنين بذلك، فآمِنوا.


قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥


[25] قال فرعون لمن حوله مِن أشراف قومه: ألا تسمعون مقالة موسى العجيبة بوجود رب سواي؟


قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦


[26] قال موسى: الرب الذي أدعوكم إليه هو الذي خلقكم وخلق آباءكم الأولين، فكيف تعبدون مَن هو مخلوق مثلكم، وله آباء قد فَنَوْا كآبائكم؟


قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧


[27] قال فرعون لخاصته يستثير غضبهم؛ لتكذيب موسى إياه: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، يتكلم كلاماً لا يُعْقَل


قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٨


[28] قال موسى: رب المشرق والمغرب وما بينهما وما يكون فيهما من نور وظلمة، وهذا يستوجب الإيمان به وحده إن كنتم من أهل العقل والتدبر


قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩


[29] قال فرعون لموسى مهدداً له: لئن اتخذت إلهاً غيري لأسجننك مع مَن سجنت.


قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠


[30] قال موسى: أتجعلني من المسجونين، ولو جئتك ببرهان قاطع يتبين منه صدقي؟


قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١


[31] قال فرعون: فأت به إن كنت من الصادقين في دعواك.


فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢


[32] فألقى موسى عصاه فتحولت ثعباناً حقيقيّاً، ليس تمويهاً كما يفعل السحرة،


وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣


[33] وأخرج يده مِن فتحة قميصه المفتوحة إلى الصَّدْر، أو من تحت إبطه فإذا هي بيضاء كالثلج من غير برص، تَبْهَر الناظرين.


قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤


[34] قال فرعون لأشراف قومه خشية أن يؤمنوا: إن موسى لَساحر ماهر،


يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥


[35] يريد أن يخرجكم بسحره من أرضكم، فأي شيء تشيرون به في شأنه أتبع رأيكم فيه؟


قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦


[36] قال له قومه: أخِّر أمر موسى وهارون، وأرسِلْ في المدائن جنداً جامعين للسحرة،


يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧


[37] يأتوك بكلِّ مَن أجاد السحر، وتفوَّق في معرفته.


فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨


[38] فَجُمِع السحرة، وحُدِّد لهم وقت معلوم، هو وقت الضحى من يوم الزينة الذي يتفرغون فيه من أشغالهم، ويجتمعون ويتزيَّنون؛ وذلك للاجتماع بموسى


وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩


[39] وحُثَّ الناس على الاجتماع؛ أملاً في أن تكون الغلبة للسحرة.


لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠


[40] إننا نطمع أن تكون الغلبة للسحرة، فنثبت على ديننا.


فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١


[41] فلما جاء السحرة فرعون قالوا له: أإن لنا لأجراً مِن مال أو جاه، إنْ كنا نحن الغالبين لموسى؟


قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢


[42] قال فرعون: نعم لكم عندي ما طلبتم مِن أجر، وإنكم حينئذ لمن المقربين لديَّ.


قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣


[43] قال موسى للسحرة مريداً إبطال سحرهم وإظهار أن ما جاء به ليس سحراً: ألقوا ما تريدون إلقاءه من السحر.


فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤


[44] فألقَوا حبالهم وعصيَّهم، وخُيِّل للناس أنها حيَّات تسعى، وأقسموا بعزة فرعون قائلين: إننا لنحن الغالبون.


فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥


[45] فألقى موسى عصاه، فإذا هي حية عظيمة، تبتلع ما صدر منهم من إفك وتزوير.


فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦


[46] فلما شاهدوا ذلك، وعلموا أنه ليس من تمويه السحرة، آمنوا بالله وسجدوا له،


قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧


[47] وقالوا: آمنَّا برب العالمين


رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨


[48] رب موسى وهارون.


قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩


[49] قال فرعون للسحرة مستنكراً: آمنتم لموسى بغير إذن مني، وقال موهماً أنَّ فِعْل موسى سحر: إنه لكبيركم الذي علَّمكم السحر، فلسوف تعلمون ما ينزل بكم من عقاب: لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف: بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو عكس ذلك، ولأصلبنَّكم أجمعين.


قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠


[50] قال السحرة لفرعون: لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا، إنا راجعون إلى ربنا فيعطينا النعيم المقيم.


إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١


[51]. إنا نرجو أن يغفر لنا ربنا خطايانا من الشرك وغيره؛ لكوننا أول المؤمنين في قومك.


۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢


[52] وأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أَنْ سِرْ ليلاً بمن آمن من بني إسرائيل؛ لأن فرعون وجنوده متبعوكم حتى لا يدركوكم قبل وصولكم إلى البحر.


فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣


[53] فأرسل فرعون جنده -حين بلغه مسير بني إسرائيل- يجمعون جيشه من مدائن مملكته.


إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤


[54] قال فرعون: إن بني إسرائيل الذين فرُّوا مع موسى لَطائفة حقيرة قليلة العدد،


وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥


[55] وإنهم لمالئون صدورنا غيظاً؛ حيث خالفوا ديننا، وخرجوا بغير إذننا،


وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦


[56] وإنا لجميع متيقظون مستعدون لهم.


فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧


[57] فأخرج الله فرعون وقومه من أرض «مصر» ذات البساتين وعيون الماء


وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨


[58] وخزائن المال والمنازل الحسان.


كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩


[59] وكما أخرجناهم، جعلنا هذه الديار من بعدهم لبني إسرائيل.


فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠


[60] فلحق فرعون وجنده موسى ومَن معه وقت شروق الشمس.


فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١


[61] فلما رأى كل واحد من الفريقين الآخر قال أصحاب موسى: إنَّ جَمْعَ فرعون مُدْرِكنا ومهلكنا.


قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢


[62] قال موسى لهم: كَلَّا ليس الأمر كما ذكرتم فلن تُدْرَكوا؛ إن معي ربي بالنصر، سيهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم.


فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣


[63] فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب، فانفلق البحر إلى اثني عشر طريقاً بعدد قبائل بني إسرائيل، فكانت كل قطعة انفصلت من البحر كالجبل العظيم.


وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤


[64] وقرَّبْنا هناك فرعون وقومه حتى دخلوا البحر،


وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥


[65] وأنجينا موسى ومَن معه أجمعين. فاستمر البحر على انفلاقه حتى عبروا إلى البر،


ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦


[66] ثم أغرقنا فرعون ومن معه بإطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه.


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧


[67] إن في ذلك الذي حدث لَعبرة عجيبة دالة على قدرة الله، وما صار أكثر أتباع فرعون مؤمنين مع هذه العلامة الباهرة.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨


[68] وإن ربك لهو العزيز الرحيم، بعزته أهلك الكافرين المكذبين، وبرحمته نجَّى موسى ومَن معه أجمعين.


وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ ٦٩


[69] واقصص على الكافرين -أيها الرسول- خبر إبراهيم


إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠


[70] حين قال لأبيه وقومه: أي شيء تعبدونه؟


قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١


[71] قالوا: نعبد أصناماً، فنَعْكُف على عبادتها.


قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢


[72] قال إبراهيم منبهاً على فساد مذهبهم: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم،


أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣


[73] أو يقدِّمون لكم نفعاً إذا عبدتموهم، أو يصيبونكم بضر إذا تركتم عبادتهم؟


قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤


[74] قالوا: لا يكون منهم شيء من ذلك، ولكننا وجدنا آباءنا يعبدونهم، فقلَّدناهم فيما كانوا يفعلون.


قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥


[75] قال إبراهيم: أفأبصرتم بتدبر ما كنتم تعبدون من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر،


أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦


[76] أنتم وآباؤكم الأقدمون من قبلكم؟


فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧


[77] فإن ما تعبدونهم من دون الله أعداء لي، لكن رب العالمين ومالك أمرهم هو وحده الذي أعبده.


ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨


[78] هو الذي خلقني في أحسن صورة فهو يرشدني إلى مصالح الدنيا والآخرة،


وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩


[79] وهو الذي ينعم عليَّ بالطعام والشراب،


وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠


[80] وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه،


وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١


[81] وهو الذي يميتني في الدنيا بقبض روحي، ثم يحييني يوم القيامة، لا يقدر على ذلك أحد سواه،


وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢


[82] والذي أطمع أن يتجاوز عن ذنبي يوم الجزاء.


رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣


[83] قال إبراهيم داعياً ربه: ربِّ امنحني العلم والفهم، وألحقني بالصالحين، واجمع بيني وبينهم في الجنة.


وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤


[84] واجعل لي ثناء حسناً وذكراً جميلاً في الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة.


وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥


[85] واجعلني من عبادك الذين تورثهم نعيم الجنة.


وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦


[86] هذا دعاء من إبراهيم -عليه السلام- أن ينقذ الله أباه من الضلال إلى الهدى، فيغفر له ويتجاوز عنه، كما وعد إبراهيم أباه بالدعاء له، فلما تبيَّن له أنه مستمر في الكفر والشرك إلى أن يموت تبرأ منه.


وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧


[87] ولا تُلْحق بي الذل، يوم يخرج الناس من القبور للحساب والجزاء،


يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨


[88] يوم لا ينفع المال والبنون أحداً من العباد،


إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩


[89] إلا مَن أتى الله بقلب سليم من الكفر والنفاق والرذيلة.


وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠


[90] وقُرِّبت الجنة للذين اجتنبوا الكفر والمعاصي، وأقبلوا على الله بالطاعة.


وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١


[91] وأُظهرت النار للكافرين الذين ضَلُّوا عن الهدى، وتجرَّؤوا على محارم الله وكذَّبوا رسله.


وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢


[92] وقيل لهم توبيخاً: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها


مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣


[93] مِن دون الله، وتزعمون أنها تشفع لكم اليوم؟ هل ينصرونكم، فيدفعون العذاب عنكم، أو ينتصرون بدفع العذاب عن أنفسهم؟ لا شيء من ذلك.


فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤


[94] فجُمِعوا وألقُوا في جهنم على رؤوسهم مرَّة بعد مرَّة إلى أن استقرُّوا فيها، هم والذين أضلوهم،


وَجُنُودُ إِبۡلِيسَ أَجۡمَعُونَ ٩٥


[95] وأعوان إبليس الذين زيَّنوا لهم الشر، لم يُفْلِت منهم أحد.


قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦


[96] قالوا معترفين بخطئهم، وهم يتنازعون في جهنم مع مَن أضلوهم:


تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧


[97] تالله إننا كنا في الدنيا في ضلال واضح لا خفاء فيه؛


إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨


[98] إذ نسويكم برب العالمين المستحق للعبادة وحده.


وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩


99] وما أوقعنا في هذا المصير السيِّئ إلا المجرمون الذين دعونا إلى عبادة غير الله فاتبعناهم.


فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠


[100] فلا أحدَ يشفع لنا، ويخلِّصنا من العذاب،


وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ ١٠١


[101] ولا مَن يَصْدُق في مودتنا ويشفق علينا


فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢


[102] فليت لنا رجعة إلى الدنيا، فنصير من جملة المؤمنين الناجين.


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٠٣


[103] إن في نبأ إبراهيم السابق لَعبرة لِمن يعتبر، وما صار أكثر الذين سمعوا هذا النبأ مؤمنين.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤


[104] وإن ربك لهو العزيز القادر على الانتقام من المكذبين، الرحيم بعباده المؤمنين.


كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥


[105] كَذَّبت قوم نوح رسالة نبيهم، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل.


إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦


[106] إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تخشون الله بترك عبادة غيره؟


إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧


[107] إني لكم رسول أمين فيما أبلغكم،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨


[108] فاجعلوا الإيمان وقاية لكم من عذاب الله وأطيعوني فيما آمركم به من عبادته وحده.


وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩


[109]. وما أطلب منكم أجراً على تبليغ الرسالة، ما أجري إلا على رب العالمين المتصرفِ في خلقه،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠


[110] فاحذروا عقابه، وأطيعوني بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.


۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١


[111] قال له قومه: كيف نصدِّقك ونتبعك، والذين اتبعوك أراذل الناس وأسافلهم؟


قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢


[112] فأجابهم نوح -عليه السلام- بقوله: لست مكلفاً بمعرفة أعمالهم، إنما كُلِّفت أن أدعوهم إلى الإيمان. والاعتبار بالإيمان، لا بالحسب والنسب والحِرَف والصنائع.


إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣


[113] ما حسابهم للجزاء على أعمالهم وبواطنهم إلا على ربي المطَّلِع على السرائر. لو كنتم تشعرون بذلك لما قلتم هذا الكلام.


وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤


[114] وما أنا بطارد الذين يؤمنون بدعوتي، مهما تكن حالهم؛ تلبية لرغبتكم كي تؤمنوا بي


إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥


[115] ما أنا إلا نذير بيِّن الإنذار


قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦


[116] عدل قوم نوح عن المحاورة إلى التهديد، فقالوا له: لئن لم ترجع -يا نوح- عن دعوتك لتكوننَّ مِنَ المقتولين رمياً بالحجارة.


قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧


[117] فلما سمع نوح قولهم هذا دعا ربه بقوله: رب إن قومي أصروا على تكذيبي،


فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨


[118] فاحكم بيني وبينهم حكماً تُهلك به مَن جحد توحيدك وكذَّب رسولك، ونجني ومَن معي من المؤمنين مما تعذب به الكافرين.


فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩


[119] فأنجيناه ومَن معه في السفينة المملوءة بصنوف المخلوقات التي حملها معه.


ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠


[120] ثم أغرقنا -بعد إنجاء نوح ومن معه- الباقين الذين لم يؤمنوا مِن قومه وردُّوا عليه النصيحة.


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١


[121] إن في نبأ نوح وما كان من إنجاء المؤمنين وإهلاك المكذبين لَعلامة وعبرةً عظيمة لمن بعدهم، وما كان أكثر الذين سمعوا هذه القصة مؤمنين بالله وبرسوله وشرعه.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢


[122] و إن ربك لهو العزيز في انتقامه ممن كفر به وخالف أمره، الرحيم بعباده المؤمنين.


كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣


[123] كذَّبت قبيلة عاد رسولهم هوداً -عليه السلام- فكانوا بهذا مكذِّبين لجميع الرسل؛ لاتحاد دعوتهم في أصولها وغايتها.


إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤


[124] إذ قال لهم أخوهم هود: ألا تخشون الله فتخلصوا له العبادة؟


إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥


[125] إني مرسَل إليكم لهدايتكم وإرشادكم، حفيظ على رسالة الله، أبلِّغها لكم كما أمرني ربي،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦


[126] فخافوا عقاب الله وأطيعوني فيما جئتكم به مِن عند الله.


وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧


[127] . وما أطلب منكم على إرشادكم إلى التوحيد أيَّ نوع من أنواع الأجر، ما أجري إلا على رب العالمين.


أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨


[128] أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عالياً تشرفون منه فتسخرون مِنَ المارة؟ وذلك عبث وإسراف لا يعود عليكم بفائدة في الدين أو الدنيا،


وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩


[129] وتتخذون قصوراً منيعة وحصوناً مشيَّدة، كأنكم تخلدون في الدنيا ولا تموتون،


وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠


[130] وإذا بطشتم بأحد من الخلق قتلاً أو ضرباً، فعلتم ذلك قاهرين ظالمين.


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٣١


[131] فخافوا الله، وامتثلوا ما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم،


وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ ١٣٢


[132] واخشوا الله الذي أعطاكم من أنواع النعم مالا خفاء فيه عليكم،


أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ ١٣٣


[133] أعطاكم الأنعام: من الإبل والبقر والغنم، وأعطاكم الأولاد،


وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ١٣٤


[134] وأعطاكم البساتين المثمرة، وفجَّر لكم الماء من العيون الجارية.


إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣٥


[135] قال هود -عليه السَّلام- محذراً لهم: إني أخاف إن أصررتم على ما أنتم عليه من التكذيب والظلم وكُفْر النِّعَم، أن ينزل الله بكم عذاباً في يوم تعظم شدته من هول عذابه.


قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ ١٣٦


[136] قالوا له: يستوي عندنا تذكيرك وتخويفك لنا وتركه، فلن نؤمن لك.


إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣٧


[137] وقالوا: ما هذا الذي نحن عليه إلا دين الأولين وعاداتهم،


وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ١٣٨


[138] وما نحن بمعذبين على ما نفعل مما حَذَّرْتنا منه من العذاب.


فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩


[139] فاستمَرُّوا على تكذيبه، فأهلكهم الله بريح باردة شديدة. إن في ذلك الإهلاك لَعبرة لمن بعدهم، وما كان أكثر الذين سمعوا قصتهم مؤمنين بك.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٤٠


[140] . وإن ربك لهو العزيز الغالب على ما يريده من إهلاك المكذبين، الرحيم بالمؤمنين.


كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٤١


[141] كذَّبت قبيلة ثمود رسولهم صالحاً في رسالته ودعوته إلى توحيد الله، فكانوا بهذا مكذِّبين لجميع الرسل؛ لأنهم جميعاً يدعون إلى توحيد الله.


إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٤٢


[142] إذ قال لهم أخوهم صالح: ألا تخشون عقاب الله، فتُفرِدوه بالعبادة؟


إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٤٣


[143] إني مرسَل من الله إليكم، حفيظ على هذه الرسالة كما تلقيتها عن الله،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٤٤


[144] فاحذروا عقابه تعالى، وامتثلوا ما دعوتكم إليه.


وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٥


[145] وما أطلب منكم على نصحي وإرشادي لكم أيَّ جزاء، ما جزائي إلا على رب العالمين.


أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦


[146] أيترككم ربكم فيما أنتم فيه من النعيم مستقرين في هذه الدنيا آمنين من العذاب والزوال والموت؟


فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧


[147] في حدائق مثمرة وعيون جارية


وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨


[148] وزروع كثيرة ونخل ثمرها يانع لين نضيج،


وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩


[149] وتنحتون من الجبال بيوتاً ماهرين بنحتها، أَشِرين بَطِرين.


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠


[150] فخافوا عقوبة الله، واقبلوا نصحي،


وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١


[151] ولا تنقادوا لأمر المسرفين على أنفسهم المتمادين في معصية الله


ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢


[152] الذين دأبوا على الإفساد في الأرض إفساداً لا إصلاح فيه.


قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣


[153] قالت ثمود لنبيها صالح: ما أنت إلا من الذين سُحروا سِحْراً كثيراً، حتى غلب السحر على عقلك.


مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤


[154] ما أنت إلا فرد مماثل لنا في البشرية من بني آدم، فكيف تتميز علينا بالرسالة؟ فأت بحجة واضحة تدل على ثبوت رسالتك، إن كنت صادقاً في دعواك أن الله أرسلك إلينا.


قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥


[155] قال لهم صالح -وقد أتاهم بناقة أخرجها الله له من الصخرة-: هذه ناقة الله لها نصيب من الماء في يوم معلوم، ولكم نصيب منه في يوم آخر، ليس لكم أن تشربوا في اليوم الذي هو نصيبها، ولا هي تشرب في اليوم الذي هو نصيبكم،


وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥٦


[156] ولا تنالوها بشيء مما يسوءها كضَرْبٍ أو قتل أو نحو ذلك، فيهلككم الله بعذابِ يومٍ تعظم شدته؛ بسبب ما يقع فيه من الهول والشدة.


فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ ١٥٧


[157] فنحروا الناقة، فأصبحوا متحسرين على ما فعلوا لَمَّا أيقنوا بالعذاب، فلم ينفعهم ندمهم.


فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٥٨


[158] فنزل بهم عذاب الله الذي توعدهم به صالح عليه السلام، فأهلكهم. إن في إهلاك ثمود لَعبرة لمن اعتبر بهذا المصير، وما كان أكثرهم مؤمنين.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٥٩


[159] وإن ربك لهو العزيز القاهر المنتقم من أعدائه المكذبين، الرحيم بمن آمن من خلقه.


كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٦٠


[160] كَذَّبت قوم لوط برسالته، فكانوا بهذا مكذبين لسائر رسل الله؛ لأن ما جاؤوا به من التوحيد وأصول الشرائع واحد.


إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٦١


[161] إذ قال لهم أخوهم لوط: ألا تخشون عذاب الله؟


إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٦٢


[162] إني رسول من ربكم، أمين على تبليغ رسالته إليكم،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٦٣


[163] فاحذروا عقاب الله على تكذيبكم رسوله، واتبعوني فيما دعوتكم إليه،


وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٤


[164] وما أسألكم على دعوتي لهدايتكم أيَّ أجر، ما أجري إلا على رب العالمين.


أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٥


[165] أتنكحون الذكور مِن بني آدم،


وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ ١٦٦


[166] وتتركون ما خلق الله لاستمتاعكم وتناسلكم مِن أزواجكم؟ بل أنتم قوم -بهذه المعصية- متجاوزون ما أباحه الله لكم من الحلال إلى الحرام.


قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ ١٦٧


[167] قال قوم لوط: لئن لم تترك يا لوط نَهْيَنا عن إتيان الذكور وتقبيح فعله، لتكونن من المطرودين من بلادنا.


قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ ١٦٨


[168] قال لوط لهم: إني لِعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكور، لمن المبغضين له بغضاً شديداً.


رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ ١٦٩


[169] ثم دعا لوط ربه حينما يئس من استجابتهم له قائلاً: ربِّ أنقذني وأنقذ أهلي مما يعمله قومي مِن هذه المعصية القبيحة، ومِن عقوبتك التي ستصيبهم.


فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٧٠


[170] فنجيناه وأهل بيته والمستجيبين لدعوته أجمعين


إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٧١


[171] إلا عجوزاً من أهله، وهي امرأته لم تشاركهم في الإيمان، فكانت من الباقين في العذاب والهلاك.


ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٧٢


[172] ثم أهلكنا مَن عداهم من الكفرة أشدَّ إهلاك،


وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٣


[173] ، وأنزلنا عليهم حجارة من السماء كالمطر أهلكتهم، فقَبُحَ مطرُ مَن أنذرهم رسلهم ولم يستجيبوا لهم؛ فقد أُنزل بهم أشدُّ أنواع الهلاك والتدمير.


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٤


[174] إن في ذلك العقاب الذي نزل بقوم لوط لَعبرة وموعظة، يتعظ بها المكذبون. وما كان أكثرهم مؤمنين.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥


[175] وإن ربك لهو العزيز الغالب الذي يقهر المكذبين، الرحيم بعباده المؤمنين.


كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦


[176] كذَّب أصحابُ الأرض ذات الشجر الملتف رسولَهم شعيباً في رسالته، فكانوا بهذا مكذِّبين لجميع الرسالات.


إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧


[177] إذ قال لهم شعيب: ألا تخشون عقاب الله على شرككم ومعاصيكم؟


إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨


[178] إني مرسَل إليكم مِنَ الله لهدايتكم، حفيظ على ما أوحى الله به إليَّ من الرسالة،


فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩


[179] فخافوا عقاب الله، واتبعوا ما دعوتكم إليه مِن هداية الله؛ لترشُدوا،


وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠


[180] وما أطلب منكم على دعائي لكم إلى الإيمان بالله أيَّ جزاء، ما جزائي إلا على رب العالمين.


۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١


[181] قال لهم شعيب -وقد كانوا يُنْقِصون الكيل والميزان-: أتمُّوا الكيل للناس وافياً لهم، ولا تكونوا ممن يُنْقِصون الناس حقوقهم،


وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢


[182] وَزِنوا بالميزان العدل المستقيم،


وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣


[183] ولا تنقصوا الناس شيئاً مِن حقوقهم في كيل أو وزن أو غير ذلك، ولا تكثروا في الأرض الفساد، بالشرك والقتل والنهب وتخويف الناس وارتكاب المعاصي.


وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤


[184] واحذروا عقوبة الله الذي خلقكم وخلق الأمم المتقدمة عليكم.


قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥


[185] قالوا: إنما أنت -يا شعيب- مِنَ الذين أصابهم السحر إصابة شديدة، فذهب بعقولهم،


وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦


[186] وما أنت إلا واحد مثلنا في البشرية، فكيف تختص دوننا بالرسالة؟ وإن أكبر ظننا أنك من الكاذبين فيما تدَّعيه من الرسالة.


فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧


[187] فإن كنت صادقاً في دعوى النبوة، فادع الله أن يسقط علينا قطع عذاب من السماء تستأصلنا.


قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨


[188] قال لهم شعيب: ربي أعلم بما تعملونه مِنَ الشرك والمعاصي، وبما تستوجبونه من العقاب.


فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩


[189] فاستمَرُّوا على تكذيبه، فأصابهم الحر الشديد، وصاروا يبحثون عن ملاذ يستظلون به، فأظلتهم سحابة، وجدوا لها برداً ونسيماً، فلما اجتمعوا تحتها التهبت عليهم ناراً فأحرقتهم، فكان هلاكهم جميعاً في يوم شديد الهول.


إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠


[190] إن في ذلك العقاب الذي نزل بهم، لَدلالة واضحة على قدرة الله في مؤاخذة المكذبين، وعبرة لمن يعتبر، وما كان أكثرهم مؤمنين متعظين بذلك.


وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١


[191] وإن ربك -أيها الرسول- لهو العزيز في نقمته ممن انتقم منه من أعدائه، الرحيم بعباده الموحدين.


وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢


[192] وإن هذا القرآن الذي ذُكِرَتْ فيه هذه القصص الصادقة، لَمنزَّل مِن خالق الخلق، ومالك الأمر كله،


نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣


[193] نزل به جبريل الأمين،


عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤


[194] فتلاه عليك -أيها الرسول- حتى وعيته بقلبك حفظاً وفهماً؛ لتكون مِن رسل الله الذين يخوِّفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين.


بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥


[195] نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم.


وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦


[196] وإنَّ ذِكْرَ هذا القرآن لَمثبتٌ في كتب الأنبياء السابقين، قد بَشَّرَتْ به وصَدَّقَتْه.


أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧


[197] أو لم يَكْفِ هؤلاء -في الدلالة على أنك رسول الله، وأن القرآن حق- عِلْمُ علماء بني إسرائيل صحة ذلك، ومَن آمن منهم كعبدالله بن سلام؟


وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨


[198] ولو نَزَّلنا القرآن على بعض الذين لا يتكلمون بالعربية


فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩


[199] فقرأه على كفار قريش قراءة عربية صحيحة، لكفروا به أيضاً، وانتحلوا لجحودهم عذراً


كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠


[200] كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين جحود القرآن، وصار متمكناً فيها؛ وذلك بسبب ظلمهم وإجرامهم،


لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١


[201] فلا سبيل إلى أن يتغيروا عمَّا هم عليه من إنكار القرآن، حتى يعاينوا العذاب الشديد الذي وُعِدوا به.


فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢


[202] فينزل بهم العذاب فجأة، وهم لا يعلمون قبل ذلك بمجيئه،


فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣


[203] فيقولون عند مفاجأتهم به تحسُّراً على ما فاتهم من الإيمان: هل نحن مُمْهَلون مُؤخَّرون؛ لنتوب إلى الله مِن شركنا، ونستدرك ما فاتنا؟


أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤


[204] أَغَرَّ هؤلاء إمهالي، فيستعجلون نزول العذاب عليهم من السماء؟


أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥


[205] أفعلمت -أيها الرسول- إن مَتَّعناهم بالحياة سنين طويلة بتأخير آجالهم،


ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦


[206] ثم نزل بهم العذاب الموعود؟


مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧


[207] ما أغنى عنهم تمتعهم بطول العمر، وطيب العيش، إذا لم يتوبوا من شركهم؟ فعذاب الله واقع بهم عاجلاً أم آجلاً.


وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨


[208] وما أهلكنا مِن قرية من القرى في الأمم جميعاً، إلا بعد أن نرسل إليهم رسلاً ينذرونهم


ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩


[209] تذكرة لهم وتنبيهاً على ما فيه نجاتهم، وما كنا ظالمين فنعذب أمة قبل أن نرسل إليها رسولاً.


وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠


[210] وما تَنَزَّلَتْ بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم الشياطين كما يزعم الكفرة


وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١


[211] ولا يصح منهم ذلك، وما يستطيعونه؛


إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢


[212] لأنهم عن استماع القرآن من السماء محجوبون مرجومون بالشهب.


فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣


[213] فلا تعبد مع الله معبوداً غيره، فينزل بك من العذاب ما نزل بهؤلاء الذين عبدوا مع الله غيره.


وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤


[214] وحَذِّر -أيها الرسول- الأقرب فالأقرب مِن قومك، مِن عذابنا، أن ينزل بهم.


وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥


[215] وأَلِنْ جانبك وكلامك تواضعاً ورحمة لمن ظهر لك منه إجابة دعوتك.


فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦


[216] فإن خالفوا أمرك ولم يتبعوك، فتبرَّأ من أعمالهم، وما هم عليه من الشرك والضلال.


وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧


[217] وفَوِّضْ أمرك إلى الله العزيز الذي لا يغالَب ولا يُقْهَر، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه،


ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨


[218] وهو الذي يراك حين تقوم للصلاة وحدك في جوف الليل


وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩


[219] ويرى تقلُّبك مع الساجدين في صلاتهم معك قائماً وراكعاً وساجداً وجالساً


إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠


[220] إنه -سبحانه- هو السميع لتلاوتك وذكرك، العليم بنيتك وعملك.


هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١


[221] هل أخبركم -أيها الناس- على مَن تنزَّل الشياطين؟


تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢


[222] تتنزل على كل كذَّاب كثير الآثام من الكهنة،


يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣


[223] يَسْتَرِقُ الشياطين السمع، يتخطفونه من الملأ الأعلى، فيلقونه إلى الكهان، ومَن جرى مجراهم مِنَ الفسقة، وأكثر هؤلاء كاذبون، يَصْدُق أحدهم في كلمة، فيزيد فيها أكثر مِن مائة كذبة.


وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ ٢٢٤


[224] والشعراء يقوم شعرهم على الباطل والكذب، ويجاريهم الضالون الزائغون مِن أمثالهم


أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ ٢٢٥


[225] ألم تر -أيها النبي- أنهم يذهبون كالهائم على وجهه، يخوضون في كل فن مِن فنون الكذب والزور وتمزيق الأعراض والطعن في الأنساب وتجريح النساء العفائف


وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ ٢٢٦


[226] وأنهم يقولون ما لا يفعلون، يبالغون في مدح أهل الباطل، وينتقصون أهل الحق؟


إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ ٢٢٧


[227] استثنى الله من الشعراءِ الشعراءَ الذين اهتدَوْا بالإيمان وعملوا الصالحات، وأكثروا مِن ذِكْر الله فقالوا الشعر في توحيد الله -سبحانه- والثناء عليه جلَّ ذكره، والدفاع عن رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتكلموا بالحكمة والموعظة والآداب الحسنة، وانتصروا للإسلام، يهجون مَن يهجوه أو يهجو رسوله؛ ردّاً على الشعراء الكافرين. وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي، وظلموا غيرهم بغمط حقوقهم، أو الاعتداء عليهم، أو بالتُّهم الباطلة، أي مرجع من مراجع الشر والهلاك يرجعون إليه؟ إنَّه منقلب سوء، نسأل الله السلامة والعافية.